موقع الكاتب المغربي: الطاهر باكري

dimanche 5 juin 2011

موسم الرحيل إلى الحدود

إن الذين يُسْرِفُون في هدر أموال الشعب في الحفلات والسهرات، لا يملكون ذَرَّةً بسيطة من إرادة التغيير والإصلاح. وهؤلاء نفسهم لا يُعِيرُون أدنى اهتمام لحل مشاكلنا الداخلية والخارجية؛ ففي الوقت الذي يعتصم المائات من السكان في مدن متفرقة في الصحراء؛ مطالبين بالعيش الكريم، ويصرخون بحناجرهم المبحوحة في وجه الدولة؛ مطالبين بحقوقهم، تُنَظِّمُ جهات ممانِعة للتغير في المغرب سهرات بحضور "فنانين" يتلقون الملايين مقابل كلمات لا يستحي بعضهم أن يسميها بالكلمة الملتزمة؛ والتي يبيعونها مقابل أموال الشعب؛ فعن أي أغنية ملتزمة يتحدث هؤلاء؟ –رحمة الله على الغناء الملتزم-  في ظل هذا الجو المتعكر، أمست إجابة الدولة للذين يطالبون بالعيش الكريم، هي: تفرجوا في "موازين"، و"ﯖُوُلُوا العَامْ زِينْ"، ولا تتمنوا أن يصيبنا ما أصاب "زين العابدين".

بعيدًا عن "موازين"؛ يوجد العشرات ممن رحلوا من منطقة "امحاميد الغزلان" إلى المنطقة الحدودية مع الجزائر الشقيقة –منطقة ازعير-؛ وذلك بحثًا عن العيش الكريم، وفي تيندوف يوجد الآلاف ممن رحلوا من قبل، وهم يعانون الاغتراب الاجتماعي في مخيمات تفتقد إلى أبسط شروط العيش، وفي مدن أخرى في الصحراء، يوجد المائات ممن يعتزمون الرحيل بحثا عن الكرامة المفقودة؛ بسبب تناقضات وطول نزاع الصحراء. كل هذا، ومسؤولونا يمرحون ويلهون في سهرات "موازين"، ويتمايلون شمالا ويمينا؛ تبعا لتمايل مؤخرة "شاكيرا"، تاركين الشعب يبحث عن لقمة عيش، ويكررون معه أحداث "الكوميرة" الدموية سنة 1981؛ وذلك في زمن التغني بالإنصاف والمصالحة، والتغييرات الديمقراطية، والاستثناء المغربي.

قد تكون ثقافة الترحال بحثا عن الكلأ، والماء، والرزق في صحراء الله الواسعة؛ مسألة يفتخر بها من سكنوا الصحراء على مَرِّ التاريخ، ولا يضرهم في شيء أن يسموا رُحَّلًا. كما لا يضرهم أنهم بدو ورعاة؛ لأن من أنبياء الله؛ رعاة هشوا على الغنم بعصيهم لسنوات طوال؛ بيد أن الرحيل هروبا من الفساد، أو من تناقضات نزاع عمر طويلا؛ فأفرز لنا أنواعا وأشكالا من الأعيان والمسؤولين الفاسدين؛ بائعي مواد "الزُّونْ"، وناهبي بطائق الإنعاش، والمغتنين من بيع أشكال وألوان من المحروقات؛ التي لا يحكمها قانون ولا عرف في الصحراء؛ فالرحيل هروبا من وجه الفساد مرفوض، وسوف يظل مرفوضا؛ لأن الصحراء ليست في أصلها أرضا للفساد والتهريب؛ لذلك لن نرحل.
نعم، لن نرحل أبدًا؛ لأن الرُّحَّلَ في الصحراء لم يسجل عليهم التاريخ أن تركوا شياههم وجمالهم عرضة للافتراس من طرف وحوش الصحراء؛ بل قاوموها دوما، وباستماتة، ولا يفرون هربا من تلك الوحوش؛ بل يقاومون ولو بأظافرهم، وينتصرون.

في إطار جدلية الرحيل والعودة، وفي موسم الرحيل إلى الحدود، والاحتجاج الكبير لفئات شعبية مقهورة في الصحراء، نود أن نضع الأصبع على إشكال حقيقي يوضح بجلاء أن الدولة المغربية لا تملك استراتيجية واضحة للتعاطي مع الإشكالات الحقيقة العميقة في الجنوب؛ إذ إن المراهنة على عودة لاجئي تيندوف للمغرب، يقتضي حقيقة حلا سلميا يضمن لهم تقرير مصيرههم بحرية، هذا من الناحية الموضوعية للنزاع. أما إن كنا نريد أن نقنعهم بالعودة على اعتبار أن الصحراء تعيش "استقرارا أمنيا وتتوفر على متطلبات العيش"؛ فذلك يقتضي حل جل الإشكالات والمعضلات الاجتماعية في الصحراء؛ إذ كيف تنادي الدولة بعودة لاجئي تيندوف، وعشرات؛ بل مائات منا، يرحلون؛ إما على شكل خيام متحركة نحو الصحاري –خارج المُدُن- أو أفرادا وجماعات إلى نقط حدودية مع الجزائر، وكثير منهم تخلى عن بطاقته الوطنية؛ ولذلك ماله من دلالة ومعنى عميق في مجال الوطنية.

 وحتى لا تصير العودة تناقضا من تناقضات نزاع الصحراء، ومشكلا كبيرا، ينضاف إلى المشاكل الجمة التي يعيشها الجنوب؛ فسيكون على المسؤولين المغاربة أن يشرحوا لنا استراتيجياتهم للتعاطي مع مثل هذه الإشكالات؛ والتي لا مجال للاستهزاء بها، وعلى رأس هؤلاء المسؤولين "توفيق احجيرة" وزير الإسكان المغربي؛ فمطلوب منه اليوم أن يوضح لنا: كيف ستتعاطى وزارته مع مسألة تسكين العائدين، ومنا من ولدوا، ونشؤوا، وترعرعوا في الصحراء، ولا يملكون اليوم سكنا يقيهم برد الشتاء وحر الصيف؟

وفي انتظار جواب "احجيرة"؛ الذي يأتي، وقد لا يأتي، نقول للذين يعتزمون الرحيل هروبا من وجه الفساد، قول ابن الرومي:

                      ولي وطن آليت ألا أبيعه            وألا أرى غيري له الدهر مالكا

jeudi 26 mai 2011

!!"كجمولة "الضَّاسْرَة

إذا ثبت أن كاتب الدولة لدى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون "محمد أوزين"  قال للبرلمانية الصحراوية "كجمولة بنت ابي" عبارة: "ضسرناهم علينا"؛ فسيكون طلب محاكمته طلبًا مُنْصفًا لسكان الجنوب عمومًا؛ الذين باتوا يُتَّهَمُون ب"الضسارة" و"الخيانة" في جملة من "المنابر الإعلامية"، وفي عدد من التعليقات على المواقع الإلكترونية؛ بل أكثر من ذلك حتى في اللقاءات والاجتماعات العمومية... وسواء قالها "أوزين" أو لم يقلها؛ فقد اخترت أن أضع الأصبع على هذا الجرح الغائر من خلال هذه المقالة، لعل من يُلَوِّحُون بتهمة "الضسارة" يرجعون إلى رشدهم؛ بعدما أسرفوا كثيرا في إهانة الصحراويين، وفي مقابل ذلك، يغضون الطرف عن أخطاء الدولة في تدبيرها لملف الصحراء.

   كجمولة "الضَّاسْرَة" !!

"كجمولة بنت ابي"، هي واحدة من النساء الصحراويات القلائل؛ اللواتي استطعن بعد عودتهن من مخيمات تيندوف أن يَنْدَمِجْن داخل المجتمع المغربي؛ بشكل لافت؛ فقد استطاعت أن تصير رقمًا في المعادلة السياسية بالمغرب، وقد كُتِبَ عنها الكثير  وأسالت تصريحاتها حول تفكيك مخيم "اكديم إزيك" سيولًا من المِدَادِ؛ فوُصِفَت ب"الخائنة" و"الضَّاسْرَة".

لقد قرأت العديد من الحورات التي أُجْرِيَت مع "كجمولة"، حرفا حرفا، كلمة كلمة، جملة جملة؛ فلم أجد في ثنايا تلك الحوارات ما يجعل منها "خائنة"أو "ضَاسْرَة"؛ بل إني أجدها صحراوية جريئة، تبوح بقوة؛ فمُنَاقَضَةُ الرواية الرسمية للدولة حول تفكيك مخيم "اكديم إزيك" ليس أمرا سلبيا؛ بقدر ماهو استجلاء وبحث عن الحقيقة، والحديث عن خروقات لحقوق الإنسان في الصحراء دعوة لتجاوزها ومحاسبة مرتكبيها، ومن يعتبر "كجمولة" وأمثالها ممن يبحثون عن إجابات وتوضيحات حول الوضع الحقوقي في الصحراء "ضَاسْرِينْ"؛ فلن يكون سوى ممن يساند الظلم الاجتماعي في الصحراء، وممن يقفون سدًّا منيعا أمام بناء صحراء ديمقراطية؛ بدل صحراء الريع والتفاوتات الاجتماعية.  


الرَّدُّ الشَّافي على مفتريات الشَّمَالي:

حين نقارب موضوع نظرة الشمال المغربي إلى الجنوب؛ فإننا سنصادف جملة من الأوصاف؛ التي يجب أن نتعامل معها باحتراز واحتياط كبيرين.

فكلما قادتني أقدار الأسفار إلى الشمال المغربي؛ إلا وصادفت عشرات الشماليين؛ الذين تتوزع أذهانهم صُوَرٌ مغلوطة عن الجنوب والإنسان الجنوبي، صُوَرٌ يقول حال لسانها: "إنكم أيها الجنوبيون في الجنة الموعودة".

إننا لا ننكر أن هناك سياسة أقامتها الدولة في الصحراء، عن طريق الامتيازات ونشر أكذوبة خصوصية الصحراء، وهي الخصوصية التي لا يريدها سكان الجنوب اليوم، إنهم يرغبون أن يكونوا أناسا عاديين، لهم حقوقهم الكاملة والمشروعة في التعليم، والصحة وولوج كافة المناصب، وتَحَمِّلِ كل المسؤوليات، وإشراكهم في كل مبادرات الدولة، بعيدًا عن منطق قيادة القطعان، وهو منطق استلزم لأزيد من 35 سنة، استحضار الأعيان والشيوخ على بساطة تفكير بعضهم، والاعتماد عليهم في سلب ما تبقى من سكان الصحراء كلمتهم، وحرية تعبيرهم؛ فسكان الصحراء لم ولن يكونوا قطعانا يقودها الأعيان والشيوخ؛ لقضاء مآربهم على حساب آمال فقراء الصحراء (أرامل، معطلون، متقاعدون، ضحايا الألغام، عائدون...)؛ الذين تتحرك خيامهم الذكية فوق رمال الصحراء؛ باحثة عن مجالٍ للتعبير عن همومها وآلامها، ولنا في مخيم "اكديم إزيك" خير مثال على ما نقول.

وبما أن التقدم والديمقراطية رهين بالعقل والفكر؛ فإننا سنسافر بإخوننا الشماليين عبر مدن الجنوب كي نوقفهم عند حجم الفراغ الذي يعانيه الجنوبيون في ميدان قلنا عنه أنه منبع وأصل كل تطور، إنه العلم والتعلم، الذي سافر سكان الجنوب من أجله سنينا عددا، وقطعوا من أجله مائات "الكيلومترات"، ويستمر البحث عنه بعيدا عن الصحراء، وفي مقابل ذلك أنفق المغرب أموالا طائلة على نزاع طويل دون جدوى، أموال كانت تكفي لبناء جامعة في كل مدينة جنوبية على حدة، وليس في كل إقليم.

في الجنوب لا توجد ولو جامعة واحدة، ولا مدرسة للمهندسين، ولا معهد للصحافة والإعلام، ولا معاهد عادية ولا عليا للإدارة، ولا معاهد للغات... ورغم ذلك لن نكون عدميين وننكر بعض المعطيات، ولكننا سنذكرها على ماهي عليه؛ فلقد تم إدراج سلك الأقسام التحضيرية منذ أربع سنوات بثانوية "لسان الدين بن الخطيب" بمدينة العيون، كما تم إدراج ملحقة للأقسام التحضيرية بثانوية "باب الصحراء" بكلميم  إلا أنها تفتقد إلى أطر في المستوى، وإلى ظروف وشروط التحصيل العلمي، وأضعفها مكتبة كبيرة في العيون أو كلميم؛ إذ يضطر هؤلاء إلى السفر شمالا للحصول على كتاب كان من المفترض أن يصل إليهم لا أن يبحثوا عنه، إن الحالة هاته، تبين أن الدولة ضحت بتعليم أبناء الصحراء على حساب صراع لا تبدو بوادر حله في المستقبل القريب.

هاته حالة التعليم في الجنوب، أما الصحة، وباقي القطاعات، والإدارات، والبنايات التحتية، فندعو إخواننا الشماليين، لزيارة تلك "الجنة" الموعودة التي تُوصَفُ لهم في الإعلام الرسمي ب"صحراء بدون صفيح"، وغيرها من الأوصاف... وليكن لهم في تلك "الجنة" مستقر إلى حين...وليحذروا أن تبثر الألغام -بأنواعها- أطرافهم.

إن سكان الجنوب، لا يحتاجون إلى امتيازات ولا إلى خصوصية، لا يريدون بطائق إنعاش ولا مواد "الزُّونْ"... ولكنهم يطالبون الدولة؛ ببناء الجامعات والمعاهد في الجنوب، ويحلمون بتعليم أبنائهم، وتنمية عقولهم وفكرهم، ويطالبون الدولة؛ بوقف سياسية تنمية الحجر على حساب عقول البشر من سكان الجنوب.

إضاءة: نحن اليوم في الجنوب أمام خياريْن؛ إما أن نُوَاجِهَ الدولة بأخطائها الفادحة في تدبير ملف الصحراء؛ خصوصا على مستوى الداخل، وننظر وجهًا لوجه إلى شمس "الخصوصية" و"الامتيازات" الحارقة، أو نقبل بسياسة الدولة؛ التي مارسَتْها لأزيد من 35 سنة، ولا تزال تمارسها؛ فنساهم بدورنا في إهدار وطمس حقوقنا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ونقايضها ببطاقة إنعاش، أو ب"امتياز" بَخْسٍ، وهو في الأصل حق من حقوقنا المشروعة؛ التي تكفلها المواثيق والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان، كالشغل القار، والصحة، والسكن، والحماية من التعذيب، وصيانة الكرامة الإنسانية...

أما من يختبؤون تحت نَسَبِ، أو مَوْقِعِ جغرافي، أو مَنْصِبِ سياسي... للتفوه بأقبح النعوت في حق الجنوبيِّين؛ فنقول لهم قول الخليفة "علي بن أبي طالب":

كُنْ ابْنَ مَنْ شِئْتَ واكْتَسِب أَدَبًا           يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ

وبالعربية "تَعْرَابْتْ"، نقول لهم: "خْلِّيوْ دَاكْ الجْمْلْ رَاﯖْدْ".

vendredi 20 mai 2011

!!شرذمة التامك ومرتزقة البوليساريو

الطاهر باكري

اسْتَعْمَلَت بعض وسائل الإعلام المغربي؛ بما في ذلك بعض الجرائد التي تُصِرُّ على أن تسمي نفسها "مستقلة"؛ اسْتَعْمَلَت لأزيد من 35سنة معجما وقاموسا لغويا، كال الكثير من القذف، والسب، والشتم لإخواننا بتيندوف، و لمن يسمون ب"بوليساريو الداخل"؛ فكانت الحصيلة أنها راكمت "ممارسة شِبْه إعلامية" تفتقد إلى كل مقومات الإعلام والصحافة المستقلة والحرة؛ التي تجعل من الموضوعية وأخلاق المهنة دَيْدَنَهَا المُقدَّس؛ الذي لا تفارقه ولا يفارقها.

مناسبة هذا الحديث -الذي لن يروق مسامع الكثيرين- هي بعض المقالات التي قرأتُها بحر الأسبوع الذي أُطْلِقَ فيه سراح "اعلي سالم التامك"، و"ابراهيم دحان"، و"حمادي الناصري"؛ فقد وصفهم البعض ب"شرذمة التامك" و"مرتزقة الانفصال"، هذا الجانب من المسألة مبكي؛ لأنه يزيد من تعميق النزاع, أما الجانب المضحك؛ فيكمن في هرولة البعض لإجراء حوار مع "التامك" أو أحد رفاقه؛ فيجعله في الصفحة الأولى --La une من جريدته، معلقا عليه ب"انفراد حوار حصري مع التامك"، ولكن الحوار يُفْرَغُ من محتواه الحقيقي حتى قبل أن يُجْرَى؛ لأن ضريبة نَشْرِ الحوار بمضمونه الأصلي، لا يستطيع هؤلاء الصحافيين أداءها، وهو ضَرْبٌ آخر من ضُرُوبِ ضَرْبِ أخلاق مهنة الصحافة عرض الحائط، وفقدان للاستقلالية، وتدنيسٌ للمادة الإعلامية.   

 فمن أصحابنا الإعلاميين من في آذانهم وقرا، ولم يستطيعوا سماع الخطاب الذي لطاما نادى به بعض من يَنْظُرُون إلى نزاع الصحراء بعين الرهبان؛ الذين يأملون كسر حالة اللاَّسِلْمِ واللاَّحَرْبِ التي تعيشها الصحراء المتنازع عليها، وبناء صحراء ديمقراطية؛ بسياستها، وثقافتها، وإعلامها ... وذلك بعيدا عن السب، والشتم، ونقل المغالطات، وتدنيس مبادئ وأخلاق مهنة الإعلام، وهو أمر لن يزيد النزاع سوى طولا وتعميقا.

إن المتواجدين بتيندوف لم يُوصَفوا ب"المرتزقة والشرذمة" وغيرها من الأوصاف إلا لكونهم يحملون فلسفة وفكرا مناقضا لفكر الوحدة الذي تدعو إليه الدولة المغربية، ومن اقتنع من المغاربة بضرورة وحدة التراب المغربي؛ إذ إن من يوصفون بالمرتزقة سرعان ما يتحولون إلى سفراء، وأغنياء، وأعزاء داخل المغرب؛ بمجرد أن يتخلوا عن أفكارهم الانفصالية، وتشملهم مغفرة "الوطن الرحيم"، وقد تُقَامُ لهم حفلات العزاء؛ لجبر خاطر القبيلة وخواطر الأقارب، وهم أموات تحت خيام تيندوف.

إما معي أوضدي، فإن كنت معي فأنت عزيز، وإن كنت ضدي فأنت "مرتزقة"؛ بهذا المنطق يعامِل المغرب كل من تبنى فكر الانفصال، وكل من كان قياديا أو مسؤولا في جبهة البوليساريو، أولم يكن "احمدو ولد سويلم" سفير المغرب الحالي بمدريد من مسؤولي البوليساريو؟ أولم تكن صفة المرتزقة تنطبق عليه؟ أولم يدخل إلى المغرب العشرات ممن كانوا يوصفون بالجلادين والقتلة؛ فمُنِحَت لهم "ﭭيلات" وامتيازات في الرباط، وصاروا أغنياء الصحراء؟ أولم يُقِم المغرب حفل عزاء في العيون للراحل "المحفوظ علي بيبا"، وهو كبير مفاوضي الجبهة؟ ألا يفاوض المغرب من يوصفون بالمرتزقة؟

إننا لسنا ضد أن يلتحق بالمغرب من اقتنع من إخواننا اللاجئين بتيندوف بالوحدة، ولسنا ضد الترحم على موتى تيندوف أو أن تنظم لهم حفلات عزاء؛ فموتهم يحزننا وهم في أرض اللجوء، ولسنا ضد التفاوض مع الجبهة لإنهاء اغتراب لاجئي تيندوف؛ فللملتحِقين نقول: مرحبا، وللأموات نقول: تغمدكم الله برحمته, ولكننا لا نقبل حربائية الدولة في وصفهم بالأعداء والمرتزقة حينا، وإغداق الأموال عليهم وتعيننهم في مناصب عليا، ومفاوضتهم في أحايين أخرى، فتصير هذه الحربائية أكبر آلية من آليات تدبير الدولة لملف نزاع الصحراء.     

لقد أُرِيدَ للمغاربة أن ينظروا إلى إخواننا بتيندوف نظرة السوء؛ فقيل عنهم أنهم مختلطو الأرحام، وأعداء، وجلادون، ومرتزقة، وشرذمة... من المؤسف أن هذه الصورة المُنَمِّطَة لاتزال متداولة في زمننا هذا، نقول هذا، ونحن نؤمن أشد ما يكون الإيمان أن من يقفون وراء استعمال تلك الأوصاف، هم من يستفيدون من طول نزاع الصحراء.

أي موقع للكوركاس في صحراء مابعد التاسع من مارس؟

الطاهر باكري
Tahar_bakri@yahoo.fr

قَبْلَ سنوات، وتحديدًا سنة 2007، دَخَل إلى مُدن الأقاليم الجنوبية، وبالخصوص مدينة العيون أزيد من 100 عائلة موريتانية تحت غطاء العودة إلى أرض الوطن، انسجامًا ونداء: "إن الوطن غفور رحيم"؛ بَيْد أن هؤلاء"العائدين" سرعان ماعادوا أدراجهم إلى موريتانيا، وانقلبوا إلى مُنقلَبهم فائزين بثمن السكن الذي مُنح لهم في العيون في إطار عملية تسكين العائدين، بعدما قضى البعض منهم ما يقارب السنة في فندق بالعيون؛ لأن بعض الأشخاص استفادوا من مدة الإقامة هاته؛ والتي كانت تكاليفها محسوبة على الكوركاس، هذه الفضيحة كان بطلها وناسج حبكتها، هو رئيس الكوركاس "صديقنا خليهن ولد الرشيد"؛ فهو من قام بالتنسيق مع الموريتاني "حمادة ولد الدرويش"؛ لتنظيم "مؤتمر اكجيجمات" موازاة مع مؤتمر البوليساريو؛ وذلك بُغْيَة زعزعة ونسف مؤتمر الجبهة؛ لِتَتِمَّ عودة المشاركين في "مؤتمر اكجيجمات" إلى المغرب بعد انتهاء أشغاله، وهي العملية التي وصفتها بعض الجهات الموريتانية آنذاك ب"المخطط المغربي لتهجير الموريتانيين إلى الصحراء". لم يستطع رئيس الكوركاس أن يتواصل مع سكان مخيمات تيندوف؛ ليقنعهم بالعودة للاستقرار في المغرب؛ فتواصل مع جيراننا الموريتانيين؛ ليقوموا بزيارة -فضيحة- تاريخية للمغرب.

بعد هذه الفضيحة، سيتحول الكوركاس إلى مجلس الصراعات بين الإلحاقيين والوحدويين، وإلى مسرح لعرض أفلام مطولة في الصراعات القبلية، وسيتحكم "أولاد الرشيد" في كل صغيرة وكبيرة داخل هذه المؤسسة؛ إذ سيخوِّل الرئيس لأحد أبنائه الحق في التصرف في ميزانية المجلس، ويسند له مهمة التدبير المالي للكوركاس، هذه المسألة إضافة إلى تراكم الاحتقان داخل الكوركاس، دفعتا مجموعة من الأعيان والمنتخبين إلى مراسلة الملك؛ لإبلاغه بالتجاوزات والخروقات التي ارتكبها الرئيس "خليهن"، وهي المراسلة التي يَعتقد الكثيرون أنها السبب في سعي المؤسسة الملكية نحو تجاوز "ولد الرشيد" في إطار ما يسمى بالهيكلة المستقبلية للكوركاس.

ومن بابِ العَجَبِ المُؤسَّساتي، والغَرابة السياسية في الصحراء أن تَبْقَى مؤسسة "المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية" المعروفة اختصارًا ب"الكوركاس"  على حالها؛ جامدة بمجلسها القديم، دون أَيَّةِ هيكلة أو تَغَيُّرٍ في أعضائها المُعَشِّشِين في مؤسسة عُرفت بمجلس نوم أعيان الصحراء.

ومما يَزِيد من غَرَابَة المهتمين بقضية الصحراء، أن أعلى سلطة في البلاد شَددت في خِطَابَيْن لها على ضرورة الهيكلة العميقة لهاته المؤسسة، بَيْد أن الواقع لم يَشْهَد هيكلة عميقة ولا سطحية لمؤسسة طَغَتْ عليها الصراعات القَبَلِيَّة، وفاحت رائحتها ليشْتَمَّها أنف الدَّاني في الجنوب، والقاصي في الشمال.

إن ملك المغرب قد أشار في خطاباته بتعثر عمل الكوركاس، والذي يُعَيَّن أعضاؤه بظهير ملكي؛ مما يعني أن أعلى سلطة في البلاد تقر وتؤكد ضرورة إدخال تغييرات على هذه المؤسسة دون الوصول إلى درجة حَلِّه، فالخطابات الملكية تعبر بوضوح عن أن هذه المؤسسة لم تقم بالعمل المنوط بها بالشكل المطلوب. أما سكان الصحراء؛ فمنهم من اعتبر تأسيس الكوركاس حدثا تاريخيا في مرحلة تأسيسه؛ لأنه جمع شيوخ قبائل الصحراء، إلا أن نظرة هؤلاء السكان تغيرت بسرعة عندما طغت الصراعات القبلية على هاته المؤسسة، ففاقت نزاعات أعضاء الكوركاس نزاع الصحراء نفسه،

عندما خَطَبَ المَلك المغربي بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين للمسيرة الخضراء، وقال: ... إعادة هيكلة المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية في أفق انتهاء ولايته، من خلال إعادة النظر في تركيبته..."، وهي التركيبة التي وَصَفها الكثيرون بالفُسَيْفِسَاء الغير المتجانِسة، عندما ألقى الملك خطابه هذا، لم تكن ولاية الكوركاس قد انتهت بعد. وعندما أَلقى المَلك خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين للمسيرة الخضراء، قال: ... إعادة هيكلة المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، حيث سنتولى قريبا إنشاء الله إصدار ظهير شريف للمجلس الجديد..." ألقي هذا الخطاب وولاية الكوركاس قد انتهت في 26 مارس 2010، في كل خطاب متعلق بذكرى المسيرة الخضراء يلمح ملك المغرب إلى ضرورة هيكلة هذه المؤسسة، بَيْد أن هذه الهيكلة باتت أشبه بحلم، وهو ما يطرح سؤالا هاما وجوهريا بخصوص ضرورة وجود مؤسسة من هذا الشكل، ومن مثل هاته التركيبة العجيبة؟ وهل تحتاج صحراء ما بعد خطاب 09 مارس إلى مثل هاته المؤسسة؟   


إن لم تكن فضائح رئيس الكوركاس كافية لِحَلِّه؛ فإن المستقبل السياسي لقضية الصحراء، خصوصا إذا ما سعت الدولة نحو تطبيق النوايا الحسنة لخطاب 09 مارس 2011 سيكون إيجابيا دون وجود هاته المؤسسة؛ فالإصلاح الذي يتحدث عنه الخطاب الذي وُصِفَ  بالتاريخي، يقتضي بالضرورة حل مثل هذه المؤسسة؛ التي وُصِفَت من قِبَلِ بعض أعضائها بالمولود الميت، لأن وجودها في ظل تلك الإصلاحات سيعطي إشارة قوية لسكان الصحراء بأن لا شيء تغير، وأن الدولة لا تزال تعتمد نفس أساليبها في التعامل مع الأعيان والشيوخ؛ فالصراعات الداخلية للكوركاس؛ والتي انتقلت إلى خارجه لتتحول إلى صراع بين القبائل، لا يمكن أن تتوقف وتنتهي إلى بحل هاته المؤسسة، وخلق مؤسسات جهوية شبابية، تكون بمثابة قوة اقتراحيه، وليس استشارية وفقط، لتتماشى مع صحراء ما بعد خطاب 09 مارس.  





لقد أولت الدولة الكثير من الاهتمام لمن يُحْسَبُون على التيار الالحاقي، وأغدقت عليهم الأموال والمناصب؛ فصنعت منهم رؤساء، وسفراء، وأغنياء الصحراء... وفي مقابل هذا، همشت كثيرا الوحدويين، الذين لم يعلنوا يوما ميلهم إلى ضفة الانفصال، وقد أبان تاريخ النزاع أن هؤلاء الالحاقيين فشلوا في لعب أي دور في التواصل مع سكان تيندوف، لأنهم لم يعودوا يملكون أية شرعية في الداخل ولا في الخارج، وأكبر نموذج لهذا الفشل؛ يمثله رئيس الكوركاس "خليهن ولد الرشيد"، وهو ما يفرض على الدولة في المرحلة الراهنة رد الاعتبار للوحدويين؛ لأنهم هم ولوحدهم من يملكون مؤهلات حقيقة؛ للعب دور هام في التواصل مع صحراويي الداخل والخارج؛ لبلورة إجماع حقيقي بخصوص الحل النهائي للنزاع.

 أمام هذا الوضع الذي تعيشه مؤسسة الكوركاس، واستمرار تهميش الشباب الصحراوي، سارع العديد منهم لتأسيس "مجلس للشباب الصحراوي"؛ وذلك لتكسير الجمود السياسي، والشيخوخة السياسية؛ التي أصابت جل المؤسسات السياسية في الصحراء، غير أن هؤلاء الشاب يُخَافُ عليهم أن يهرموا، وتشيب رؤوسهم دون أن يعيشوا-اللحظة التاريخية- حلا نهائيا لهذا النزاع الذي عَمَّرَ أكثر من اللازم، لأن الدولة ما زالت تَعْتَمِد على الأعيان والشيوخ، ولا يهمها أن يطول عُمر القضية أو يقصر؛ لأنها تؤمن بشعار: "المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها"، وهو ما يعني أن حل نزاع الصحراء الآن في أيدي الشباب الصحراوي؛ الذي ينبغي أن يتسلح بثقافة الحوار والتواصل؛ سواء مع دعاة تقرير المصير داخليا، ويكسروا الحواجز كذلك للتوصل مع سكان مخيمات تيندوف؛ فقد يستطيع الشباب الصحراوي حل قضية استعصت على الشيوخ والأعيان والإلحاقيين، وهو ما يقتضي أن نفتح الطريق أمام هؤلاء الشباب، لا أن نعرقل خطواتهم، ونلوح لهم بِفَزَّاعَة الانفصال؛ كلما تحركوا للحديث عن القضية وحلها.

 نَحْنُ أمام مؤسسة أشبه بمُجَمَّع قَبَلي؛ فليس فساد الأعيان واقتصاد الريع، هما اللذان لا يَسمحان بقيام ديمقراطية حقيقية في الصحراء؛ بل مثل هاته المؤسسات كذلك.

لقد اعتاد رئيس الكوركاس أن يُطْلِقَ النداءات، ويُراكِم الفضيحة تلو الفضيحة، أما الآن؛ فقد حان دور سكان الصحراء؛ ليُطلِقوا نداءهم التاريخي، ويقولوا: "أوقفوا عنا مهزلة، وفضائح الكوركاس"، وبتعبير نستعيره من "شباب الفايسبوك"؛ لنقول جميعا في الصحراء: "نريد إسقاط الكوركاس".

وبتعبير شعبي بسيط: "الكُورْكَاسْ طْلْعْ لْنَّاسْ فْرَّاسْ".
 

البَوْحُ والكِتَابُةُ عَن الصَّحْرَاءِ

 الطاهر باكري

للبوح في الصحراء حدود، وخطوط حمراء، رَسَمَهَا تاريخ تدبير الدولة المغربية لنزاع الصحراء؛ بوضوح وجلاء كبيرين؛ فصار عَسيرا أن يَتِمَّ تجاوُزها؛ إذ ظَلت تُهْمَة الانفصال ورقة حمراء يُشْهِرُهَا حُكَّام الملف داخل المغرب في وَجْهِ كل من لَعِبَ في اتجاهٍ غير الذي يَلْعَبُ فيه الفريق الدبلوماسي الرسمي للمغرب.

  1

 في البداية نَوَدُّ أن نقول هنيئا ل"صديقنا" المُدافِع عن فكرة الاسقلال في إطار فلسفة تقرير المصير "اعلي سالم التامك"، ومن لَفَّ لَفَّهُ؛ وذلك في إطار جدلية البوح والاعتقال؛ وقد سَبَقَ لنا أن ناديْنا وطالبْنا بإطلاق سراحه؛ رغم الاختلاف الفكري والسياسي الحاصل بيننا وبينه، أمَّا الآن، وقد أُطْلِقَ سراحه؛ فإننا ندعو كل المكونات السياسية الصحراوية، إلى السعي نحو فتح حوار جِدِّي وصريح مع من يُسَمَّون ب"الانفصاليين"، أو ب"بوليساريو الداخل"؛ ما دامت الدولة تَتَفَاوَضُ رسميا مع الجبهة؛ فما المانع أن نفتح كفاعلين سياسيين في الصحراء حوارات، ونعقد لقاءات مع دعاة الاستقلال، ونفتح الأبواب مُشَرَّعَة؛ لكل واحد في الصحراء؛ ليبوح وينضح بما في جعبته من أفكار، ولا يُضُرُّنَا الاستماع  لفكر الانفصال، ونجادل دعاة حَلِّ الاستقلال عن المغرب؛ بالتي هي أحسن؛ ما دام الحُلْمُ والأَمَلُ، هو حَلُّ النزاع؛ لإنهاء اغتراب سكان مخيمات تيندوف. كما سَيَسُرُّنَا أن نرى شباب الصحراء في الوقت الراهن يسعون لردم الهوة؛ التي خُلِقَت تاريخيا بين الصحراويين وأبناء عمومتهم بتيندوف؛ فحَلُّ النزاع رهين بإرادة الشباب، وقوة عزيمتهم؛ خصوصا إذا ما تمكنوا من فهم العجز الحاصل لدى الدولة المغربية، ولدى قيادات الجبهة في إيجاد حل للنزاع، ونأمل أن نشهد في المستقبل القريب مبادرة شجاعة من طرف شباب الصحراء، سواء في الداخل أوالخارج؛ للمطالبة بإيجاد حَلٍّ سريع للنزاع قبل أن يهرموا دون أن يعيشوا لحظة الحل؛ والتي سَتُعَدُّ تاريخية بامتياز؛ خصوصا وأن الجيل المُؤَسِّس للجبهة، ووَاضِعُو اللبنات الأولى للصراع توفي جلهم، دون أن يَتَحَقَّقَ حُلْمُ "الجمهورية الصحراوية"، كما لم تتحقق الوحدة مع المغرب؛ بل يتم تكريس الاغتراب الاجتماعي لسكان مخيمات تيندوف أكثر فأكثر؛ كلما طال عُمر النزاع.

2

شهدت الصحراء خلال امتداد سنوات النزاع، تَرَاجُعَ العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان، وإحجام الكثير من الشباب والمثقفين عن الممارسة السياسية، وتواروا عن الأنظار في المجالين الحقوقي والسياسي؛ نظرا للخلط الحاصل لسنوات طويلة بين الدفاع عن فكر -فلسفة- حقوق الإنسان وفكر الانفصال؛ إذ ظل الدفاع عن حقوق دعاة الانفصال؛ ممن طالتهم أيادي عناصر الأمن المغربي؛ ظل هذا الأمر في حد ذاته، يَصُبُّ في مَصَبِّ الانفصال، وهو الأمر؛ الذي لايزال يؤرق مضجع الحقوقيين في الصحراء إلى حين كتابة هذه الأسطر؛ إذ عُدَّت تقارير الحقوقيين على مَرِّ سنوات النزاع آليات ووسائل للبوح بالخروقات والاختلالات التي تشهدها الصحراء؛ فكان بوحها قويا ومؤلما؛ لأنها تفتح المجال أمام مسألة لطالما تهربت منها الدولة المغربية، وهي المتعلقة بتوسيع صلاحيات "المينورسو" في الصحراء؛ لتشمل مجال حقوق الإنسان، لهذا كان ما تبوح به التقارير الحقوقية بمثابة جرم، كثيرا ما دفع الحقوقيون ثمنه غاليا؛ وكانت ضريبته الاعتقال، أو المساومة والابتزاز، أو تواري الحقوقيين عن أنظار الساحة الحقوقية؛ خوفا من مصير قد يكون أشبه بمصير "صديقنا" الانفصالي والحقوقي "ابراهيم دحان".  


3

إن البوحَ بما يحدث في الصحراء، يَقتضي جُرأة كبيرة؛ خُصوصا وأن القضية ظَلَّت ردحا طويلا من الزمن حكرا على دواليب الدولة، ومخزونة في رفوفها؛ زمن يَعْرِفُه الكثيرون بالزمن"البصروي"؛ نسبة إلى وزير الداخلية الراحل "إدريس البصري"؛ فهل وَلَّى زمن السكوت عَمَّا يقع في الصحراء؟ أم إن بقايا المقاربة "البصروية" لاتزال تُلْقِي بظلالها في هذا الباب؟

في الحقيقة هناك فرق واضح بَيْن الزمن "البصروي"، والزمن الذي نحياه اليوم؛ بَيْدَ أن التَّغَيٌّرَ في عمقه لم يرتبط بطريقة تدبير ملف الصحراء من طرف الدولة المغربية؛ لكن فعل البوح ارتبط في يومنا هذا؛ بالتطور الكبير والواضح للإعلام الإلكتروني، وليس بتَغَيُّر في مقاربة الدولة للموضوع؛ فقد سَهَّل الإعلام الإلكتروني على الصحافيين والمدونين كَشْفَ عشرات الحقائق المرتبطة بالقضايا الحساسة؛ التي قُدِّر لها أن تُخَزَّنَ في خزانات الدولة المُوصَدة لسنوات عدة، وهو الأمر الذي ينطبق على الحقائق التي تُكشف في الصحراء؛ خاصة المرتبطة بالفساد، أو بخُروقات حقوق الإنسان؛ فقد تمكن عشرات المدونين، وهواة الكتابة الإلكترونية من كشف النقاب عن جملة من الخُروقات في مجالات: العقار، والإنعاش الوطني، وخُروقات جمة في مجال حقوق الإنسان...

لقد ساهم تقدم الإعلام الإلكتروني في تعزيز فعل البوح بقوة، وبجرأة كبيرة بجملة من القضايا المُتَسَتَرِ عليها في عهد مضى في الصحراء.

لقد كانت ضريبة البوح في الصحراء في أحايين كثيرة؛ هي تهمة الانفصال، وبالتالي الدخول في ظلمات وظلم الاعتقال السياسي، ومتاهات المحاكمات الصورية؛ التي تفتقد إلى مبررات واقعية، وفي هذا الإطار ندعو إلى إطلاق سراح معتقلي أحداث كلميم. كما ندعو كل الصحافيين، والمدونين، وكل من له علاقة وطيدة؛ بالقرطاس والقلم -الراقن- أن يساهم في تقوية جدلية البوح والكتابة في الصحراء؛ لفضح كل الأعيان، والنخب الفاسدة؛ التي تُصَدِّرُ ضحاياها -فاضحيها- إلى سجون الظلم؛ بِتُهَمِ الفوضى والانفصال، وهي المسرحية؛ التي لم تعد صالحة لتَمُثَّلَ في الصحراء؛ فرجاء، أوقفوا عنا هذه المسرحيات.  

قصص قصيرة جدا /عائد إلى المغرب

الطاهر باكري
tahar_bakri@yahoo.fr


1-المجلس

لقد لَقَّنَنَا المعلم ونحن صغار.. أن للشيوخ مجلسا ترتاح فيه النفوس.. فيه يتم الصلح والتوافق.. كبرنا ولم نَجِدْ المجلس الذي حدثنا عنه المعلم.. ومع مرور الوقت، اجتمع هؤلاء الشيوخ بأمر من السلطان.. لكنهم على خلاف قول المعلم.. اجتمعوا ليختلفوا.. لم تهدأ نفوسهم يوما.. لم يَعُدْ لهؤلاء الشيوخ، ولا لمجلسهم مكان بيننا.. يروج في مقاهي مدينة "العيون".. أن مولودًا رأى النور مؤخرا.. مكتوب على جبينه.. رجاء ارحلوا أيها الشيوخ...


2- عائد إلى المغرب

يَعُود قادمًا من وراء الكُثْبان.. كانت المُطارَدة شرسة.. كاد اللُّغْم أن يُوُدِي بحياته.. يَعُود حاملًا معه ذكريات "الرَّابُونِي"؛ هي مَتَاعه وزاده المُؤْلِم إلى حين وصوله.. لم يجد في استقباله أحدا.. أخوه مات معذبا بعد إخصائه.. مات أبوه شهيدا في حرب الرمال.. أمه ما زالت تعاني قسوة المخيم.. هاهو قد وصل.. في ساحة "المشور" أدرك بشاعة الكذب.. وهول غسل الدماغ.. ليَصرخ بأعلى صوته: ما أروع الحقيقة !!!


3- وافد جديد

جاء من أعماق الشمال..يَمتطي جرارا.. سائقته حسناء.. ذات صدر عارٍ وكبير.. تَطَفَّلَ كثيرا في البرلمان، ومجالس الأحزاب..وفي مناطق كثيرة.. سَرَقَ كل غالٍ ونفيس في خزائن السَّاسَة.. حَظي بدعم السلطان.. حتى دخل كل البلدان.. وصل الجنوب أخيرا.. بَعْثَر كل الأوراق.. طرد الوالي، وأفزع الرئيس.. لقد أَفْسَد كل شبر طاهر في الصحراء.. هذا هو صديق السلطان..وهمة الزمان..

4- لُغْمٌ

في الصحراء كل شيء يُشبه اللُّغم.. الخيام قد تَتَحرك في أي لحظة؛ فتَسيح في الصحراء.. بعيدًا عن ضجيج السياسة.. وقد تَتَحول إلى لغم؛ فتنفجر في مكان أشبه ب "كديم إزيك".. حيث يَصْلُح المكان.. لتَذَكُّر مائات الأطفال.. الذين بُتِرَت أرجلهم وأيديهم.. كلما انفجرت مخلفات النزاع.. كم من لغم قد يكون زُرِع في رمال الصحراء؟ 1000أو2000؟.. 2011 مازالت الألغام تَبْتُر الأرجل والأيادي في الصحراء...












mercredi 27 octobre 2010

من قتل الطفل الصحراوي الناجم الكارحي؟

صورة الطفل الصحراوي "الناجم محمد فاظل الكارحي "
 الطاهر باكري

في البدء نقدم لعائلة الكارحي تعازينا الحارة في فقدانها فلذة كبدها-الناجم محمد فاظل الكارحي-، تعاز نقدمها أولا؛ بصفتنا مغربيا ينتمي إلى ربع من ربوع الصحراء ألا وهي جهة واد نون،ثانيا؛ سنتجرأ ونقدم تعازينا هاته باسم الشعب المغربي عموما؛ لأن الحدث يستحق ذلك؛ فالناجم الكارحي ليس انفصاليا ولا يسمح له عمره بالوعي بأطروحة سياسية أو فهم واقع الصحراء، الذي يختلط فيه الحق بالباطل والصالح بالطالح ،وسنتجرأ ونقدم تعازينا هاته، حتى لو كان الكارحي يتبنى موقف تقرير المصير؛ وذلك من منظور حقوقي، ولما لا ؟والنظام المغربي سبق له وأن نظم حفل عزاء بمدينة العيون لألذ أعدائه في الجانب الآخر، وأعني هنا "المحفوظ علي بيبا" كبير مفاوضي البوليساريو، واحتفل بأربعينية رحيله في كل من العيون وطانطان، وليس ذلك من منظور حقوقي، وإنما من منظور جبر الخواطر في علاقة النظام بالقبائل في الصحراء-وللإشارة فكل من الكارحي وبيبا ينتميان لقبيلة إزركيين- ،إخواننا الصحراويين رحم الله "الكارحي"، ولكن من قتله ؟

إخواننا الصحراويين قد نختلف معكم في جملة من أفكاركم وتحركاتكم؛ ولكننا لن نقبل أن تتم تصفيتكم في زمن بلغت في فلسفة وثقافة حقوق الإنسان مبلغا عظيما، وتنامت فيه الحريات الإنسانية تناميا عز ما نجد له نظيرا فيما سلف من الأيام،نعم؛ لقد سقط "الناجم الكارحي" ميتا نتيجة اعتداء القوات المغربية عليه ،وهذا على مستوى الواقع المادي المجسَد ؛مما يعني بأن الأمن المغربي أخطأ وأخل بحق من حقوق الإنسان ،وهو: الحق في الحياة. لن نختلف معكم؛ ولذلك نطالب بمحاسبة مرتكبي الجريمة،ونعلن دخولنا معكم في حدادكم؛بيد أن الأمر لن يتوقف عند هذه الحدود ؛فقتلة الكارحي هم من كلفوا بحمايته وتدريسه وتنميته و..... إنهم أبناء عمومته .

إن المسؤولين عن وفاة الطفل "الكارحي" هم نفسهم المسؤولون عن وفاة العديد من الصحراويين خلال سنوات مضت من تاريخ النزاع، هم من كانوا يصنعون الأحداث في الصحراء؛ كي يبلغوا مآربهم الانتهازية؛ فكلنا نتذكر على سبيل المثال أحداث 2005 في العيون، والتي كانت المنطلق الأساسي والرئيسي لبناء إمارة "آل الرشيد" في الصحراء والاستئساد بالعديد من المناصب هناك ؛كرئاسة المجلس الملكي للشؤون الصحراوية –الكوركاس-، ورئاسة المجلس البلدي بالعيون، وغيرها من المناصب الأخرى التي يتربع فوق عروشها أقرباؤهم من الرقيبات. فالمسؤول الأول عن ما حدث للطفل "الكارحي" هم من نهبوا ملايير السنتيمات التي رصدت لتنمية الانسان في الصحراء، هم مافيات العقار في الصحراء، هم من اغتنوا عن طريق التصرف في بطائق الإنعاش، وهم...، باختصار إنهم ناهبو ميزانيات ومالية الصحراء.

لقد توفي الكارحي لأن من أنيطت لهم المهام الداخلية في الصحراء كانوا يكذبون على الملك؛ فالتقارير التي تفبرك وفق الأهواء والمصالح الشخصية في الصحراء؛ والتي ترسل بشكل روتيني إلى الرباط تتضمن العديد من المغالطات والافتراءات والأكاذيب، القصد من ورائها الحفاظ على مصالح النخبة والأعيان وذوي النفوذ .

تعد وفاة الكارحي مناسبة للدعوة لسحب البساط من تحت النخبة الفاسدة في الصحراء، وإعادة النظر في من يسيرون شؤون العباد في هذه الربوع العزيزة من الوطن، فلو لم يكن الفساد مستشريا في ردهات مؤسسات مدن الصحراء لما خرج الكارحي ليلقى حتفه .
فالكارحي ضحية للفساد والنهب المستشري في الصحراء؛ فهل سيحاسب هؤلاء المفسدين، وناهبي المال العام ، أم أن النهب سيستمر والكذب على الملك سيزداد عبر التقارير المفبركة؟ وهل ستتغير الأمور في الصحراء بعض مرور موسم النزوح؟
إن غدا لناظره لقريب؛
ورحم الله الطفل " الناجم محمد فاظل الكارحي" .